الشيخ محمد رشيد رضا
192
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو يجذب حجته من يده ويلقي بها . والمسائل الدينية لا ينبغي أن يكون فيها تفرق ولا خلاف « أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه » لان العمل فيها بالنص لا بالرأي كما تقدم ويؤيد القول الأول آية الاستنباط الآتية وهي قوله تعالى « وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » فبين أن ما ينظر فيه أولو الامر هو المسائل العامة كمسائل الأمن والخوف وان العامة لا ينبغي لها الخوض في ذلك بل عليها ان ترده إلى الرسول وإلى أولي الامر وان من هؤلاء من يتولى أمر استنباطه واقناع الآخرين به . وهذه الآية تنفي أن يكون أولو الامر هم الملوك والامراء لأنه لم يكن مع الرسول ملوك ولا أمراء ، وان يكونوا هم العارفين بأحكام الفتوى فقط لان مسائل الامن والخوف وما يصلح للأمة في زمن الحرب يحتاج فيه إلى الرأي الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان ولا يكفي فيه معرفة أصول الفقه وفروعه ولا الاجتهاد بالمعني الذي يقوله علماء الأصول وقد بينا ذلك في مواضع كثيرة قال تعالى إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول الخ أو ردوا الشيء المتنازع فيه إلى اللّه ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة إن كنتم تؤمنون باللّه الخ فان المؤمن لا يؤثر على حكم اللّه شيئا والمؤمن باليوم الآخر يهتم بجزاء الآخرة أشد من اهتمامه بحظوظ الدنيا فلو كان له هوى في المسألة المتنازع فيها فإنه يتركه لحكم اللّه ابتغاء مرضاته ومثوبته في اليوم الآخر وفيه تعريض أو دليل على أن من لا يؤثر اتباع الكتاب والسنة على أهوائه وحظوظه ولا سيما في مسائل المصالح العامة فيه لا يكون مؤمنا باللّه واليوم الآخر إيمانا يعتد به ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا هذا بيان لفائدة هذه الأحكام أو هذا الرد في الدنيا بعد بيان فائدته في الآخرة كما هو اللائق بدين الفطرة الجامع بين مصالح الدارين . أي ذلك الذي شرعناه لكم في تأسيس حكومتكم واصلاح أمركم أو ذلك الرد للشيء المتنازع فيه إلى اللّه ورسوله خير لكم في نفسه لأنه أقوى أساس لحكومتكم واللّه أعلم منكم بما هو خير لكم فلم يشرع لكم في كتابه وعلى لسان رسوله